*حين يلتقي القديسون بالأئمّة: نموذج روحي عابر للطوائف*

عاجل

الفئة

shadow


*منجد شريف*

في عمق التجربة الدينية، لا يعيش الإنسان على الاختلافات العقائدية وحدها، بل على الحاجة إلى قدوة، إلى وجه ينظر إليه ويجد فيه شيئًا من نفسه. ولهذا ظهرت في المسيحية صورة القديسين، وفي التشيّع صورة الأئمّة، كجسرٍ يصل الإنسان بما هو أسمى.
ورغم المسارات المختلفة التي سلكها كل تقليد، إلا أنّ القيم التي يحملها هؤلاء — قديسًا كان أم إمامًا — تلتقي في نبضٍ واحد: الإنسانية في أنقى صورها.

في المسيحية، القديس هو ذلك الإنسان الضعيف الذي تُنير النعمة خطاه، فيصبح علامةً على حضور المحبة الإلهية في العالم. قديس مثل مار شربل، بصلاته وصمته، يجعل من الجبل مساحة عبور روحية. وقديسة مثل ريتا، بصلابتها أمام الظلم، تقدّم نموذجًا للمغفرة. والقديسون في هذا التقليد هم شهود للحياة التي تتخطى الألم، وتحوّل الجراح إلى معنى.

وفي التشيّع، الإمام ليس رجل دين وحسب، بل قدوة أخلاقية وروحية، صورة للعدل والشجاعة والعلم. الإمام عليّ هو النموذج للإنسان الذي يجمع بين القوة والرحمة، بين الحكمة والانتصار للضعيف. والإمام الحسين هو مدرسة في مقاومة الظلم، ليس كحدثٍ تاريخي فقط، بل كرسالة تتوارثها الأجيال: أن الدم يمكن أن ينتصر على السيف حين يكون الحقّ ميزانه. والسيدة زينب، بصمودها، تشبه في رمزيتها نساءً مسيحيات قُدن الجماعة بالمحبة والإيمان.

بهذا المعنى، يصبح القديس والإمام وجهيْن لحقيقة واحدة: إنسانٌ عاش قيمته الروحية بأقصى ما يستطيع، فصار علامة طريق للآخرين.
لا قداسة بلا تضحية، ولا إمامة بلا عدل.
ولا رسالة تستحق أن تُروى إن لم تلمس القلب قبل العقل.

هذا التشابه لا يعني إلغاء الفوارق العقائدية بين الطرفين، بل يعني أن الإنسان يستطيع أن يرى في الآخر نورًا يشبه نوره. فكما يزور المسيحي مزارًا لمار شربل طلبًا للشفاء، يزور المسلم مقام الإمام الرضا بحثًا عن الطمأنينة. وكما يرفع الشيعي صوته في عاشوراء للتذكير بالمظلومين، يرفع المسيحي صلاته في عيد القيامة للتذكير بأن الموت لا ينتصر على الحياة.

في بلد مثل لبنان، حيث يتجاور الجرس مع الأذان، يمكن لهذا النموذج أن يتحول من “فكرة روحية” إلى جسر اجتماعي. فبدل أن يكون الدين خط تماس، يمكن أن يكون مساحة لقاء حول الشخصيات التي تجسّد القيم الكبرى: العدالة، الرحمة، الشجاعة، المغفرة.
فالقديس الذي علّم أبناء قريته المحبة لا يختلف كثيرًا عن الإمام الذي علّم أتباعه الوقوف في وجه الظلم.
والناس، مهما فرّقتهم الطوائف، يلتقون عند الحاجة نفسها: أن يجدوا وجهاً يحثّهم على الخير.

وحين نرى القديسين والأئمة من زاوية القيم المشتركة، ندرك أن الإيمان ليس جدارًا، بل طريقٌ واحدٌ يصل إلى الله بطرق متعددة. وكلما اقترب البشر من هذه الحقيقة، تراجعت الضغائن، وسقطت النعرات، وتقدّم الإنسان خطوة نحو ذاته… ونحو الآخر.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة